ابراهيم بن عمر البقاعي

669

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

واسط العقد ومكمل العقد ، فإنه العاشر من كل جانب ، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى ، وذلك طبق قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين « 1 » . وللبخاري نحوه عن جابر « 2 » ، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسبا صاحب القصة إبراهيم عليه السّلام ، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السّلام كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر ، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السّلام كان بينه وبينهما ثمانية ، وإن عددت من جهة لوط عليه السّلام كان كذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 87 إلى 91 ] وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 ) ولما نص سبحانه على هؤلاء ، وختم بتفضيل كل على العالمين ، أتبعه على سبيل الإجمال أن غيرهم كان مهديا ، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم ، فقال ترغيبا في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثا على منافستهم في حسن الاستقامة عليه والسلوك فيه : وَمِنْ أي وهدينا أو وفضلنا من آبائِهِمْ أي أصولهم و ذُرِّيَّاتِهِمْ أي من فروعهم من الرجال والنساء وَإِخْوانِهِمْ أي فروع أصولهم ، وعطف على العامل المقدر قوله : وَاجْتَبَيْناهُمْ أي واخترناهم ، ثم عطف عليه بيان ما هدوا إليه حثا لنا على شكره على ما زادنا من فضله فقال : وَهَدَيْناهُمْ أي بما تقدم من الهداية إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وأما الصراط المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه ، فاعرفوا نعمتنا عليكم واذكروا تفضيلنا لكم .

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3535 ومسلم 2286 وابن حبان 6406 و 6407 و 6408 والبيهقي في الدلائل 1 / 366 والبغوي 3621 وأحمد 2 / 398 و 256 و 312 من حديث أبي هريرة . ( 2 ) حديث جابر أخرجه البخاري 3534 وأحمد 3 / 361 وفي الباب من حديث أبي بن كعب أخرجه أحمد 5 / 137 .